تشهد الكويت اليوم تصعيدًا صامتًا ومدمّرًا في سياسات سحب الجنسيّة التي تزيد من إحكام الخناق على السكّان الأصليين والمهاجرين في المنطقة، إذ يعاني الأشخاص الذين يعيشون في البلاد منذ سنوات أو الأحفاد الذين تم تجنيسهم منذ أجيال قلقًا مستمرًا من احتمال سحب جنسياتهم، وما يترتّب على ذلك من حرمانهم أبسط الحقوق، مثل التّعليم والصّحة والسّكن والعمل، دون توفّر أي سبيل أو فرصة حقيقيّة للطّعن القضائي في هذا القرار حال صدوره.
على ضوء ذلك، أدانت المسيرة العالميّة للنساء في شمال أفريقيا والشّرق الأوسط هذا الوضع في بيانٍ تضامنيّ، محذّرةً من تحوُّل الجنسيّة إلى سلاحٍ يُستخدم للسيطرة السياسيّة والعقاب الجماعي، ومندّدةً بأن النّساء يتحمّلن العبء الأثقل في “هندسة الخوف” هذه، علماً بأنهنّ أسيرات أصلًا لقوانين يغيب عنها التكافؤ بين الرجال والنساء.
لفهم السّياق الرّاهن وكيفيّة تنظيم نساء المنطقة لأنفسهنّ في مواجهة هذا المشهد، تحدّثنا مع ناشطة في المسيرة العالمية للنساء آثرَت عدم الكشف عن هويّتها لأسباب أمنيّة.
في الحوار التالي، تكشف الناشطة المعنيّة كيفية ارتباط سحب الجنسية بتراجع أوسع للحريات الديمقراطية في الكويت، مبيّنةً أنّ القانون كأداة سيطرة حكوميّة، والقوّة العسكريّة كوسيلة للهيمنة الإقليمية، ينبثقان من منطق الإقصاء ذاته. كما تتوقف الناشطة عند التمييز القانوني بين الرجال والنساء، الذي يترجم حرمانًا ملموسًا للأطفال والعائلات. بيد أنّه حتى في زمن الصمت المفروض، تبقى أشكال المقاومة حاضرة.
ما الذي تغير في السنوات الأخيرة في سياسة الجنسية الكويتية، وكيف يعيش الأشخاص الأكثر تضررًا، خصوصًا النساء، ما يصفه البيان بـ“هندسة الخوف”؟
وصلنا إلى هذه اللحظة لأن الحكومة حوّلت الجنسيّة من حقّ يفترض أن يوفر الأمان والاستقرار إلى أداة قمعٍ سياسي واجتماعي. ما نشهده اليوم ليس مجرّد مراجعة قانونية لملفات قديمة، بل استخدام متزايد لسلطة الدّولة على الجنسيّة بطريقةٍ تجعل مئات الآلاف من الأشخاص يعيشون تحت التّهديد الدّائم.
ولا يمكن فصل ما يحدث في ملف الجنسية عن التراجع الأوسع في الحياة السياسيّة والحريّات العامّة في الكويت خلال السنوات الأخيرة، فقد شهدت البلاد تضييقًا متزايدًا على حرية التعبير والعمل السياسي، وتراجعًا مستمرًا في المساحات الديمقراطيّة وأشكال المشاركة الشعبيّة. كما جرى تعليق أو إضعاف العديد من الأطر الانتخابيّة والتنظيميّة، بما في ذلك الانتخابات الطلابيّة والنقابيّة والتعاونيّة، وصولًا إلى تعليق بعض مواد الدستور وتعطيل الحياة النيابيّة. وفي هذا السياق الأوسع من تركيز السلطة وتقليص أدوات الرقابة والمساءلة، أصبح من الممكن توسيع استخدام الجنسيّة كأداة للقمع السياسي.
ما تغيّر خلال السنوات الأخيرة هو أن سحب الجنسية لم يعد يُنظر إليه كإجراء استثنائي يطال أفرادًا محدودين، بل أصبح سياسة ذات أثر واسع على المجتمع بأكمله، فحين تستطيع الدولة سحب الجنسية من أشخاص وعائلات بعد سنوات أو عقود من حصولهم عليها، فإن الرسالة التي تصل إلى الجميع هي أنّ الانتماء نفسه يمكن أن يصبح مشروطًا وقابلًا للنزع.
من هنا جاء وصف “هندسة الخوف”. فالقضيّة لا تتعلق فقط بمن سُحبت جنسيته فعليًا، بل بالأثر الذي يتركه ذلك على المجتمع كله. عندما يشعر الناس أن حقهم الأساسي في المواطنة ليس مستقرًا، وأن وضعهم القانوني يمكن أن يصبح موضع تهديد في أي وقت، فإن الخوف يتحول إلى أداة للسيطرة. ويصبح كثيرون أكثر حذرًا في التعبير عن آرائهم أو المطالبة بحقوقهم أو الاعتراض على السياسات القائمة، لأنهم يدركون أن أحد أهمّ حقوقهم يمكن أن يكون عرضة للانتزاع.
النساء والعائلات هن الأكثر تضررًا من هذه السياسة، فالتهديد لا يقع على الفرد وحده، بل يمتد إلى الأسرة بأكملها. وتتحمل النساء جزءًا كبيرًا من الأعباء النفسية والاجتماعية الناتجة عن هذا الوضع، خصوصًا في ظل قانون جنسية يميز أصلًا بين الرجال والنساء ويضع الكثير من النساء وأطفالهن في موقع أكثر هشاشة.
لذلك فإن ما يجري لا يمكن فهمه باعتباره قضيّة إداريّة أو قانونيّة فقط، بل باعتباره استخدامًا للجنسية كأداة قمع تنتج الخوف وعدم الاستقرار وتُبقي فئات واسعة من المجتمع رهينة القلق الدائم والتهديد المستمر بفقدان الأمان الإنساني والاجتماعي.
يشير البيان إلى استثناء قرارات سحب الجنسيّة من الرقابة القضائيّة الفعليّة، ويُصنَّفها كأعمال سيادة غير خاضعة للمراجعة القضائيّة الكاملة، ما يعني أنّ عائلات بأكملها قد تُحرم من العمل والتعليم والصحة والسكن والوصول إلى الحسابات البنكية، دون أي إمكانية حقيقية للطعن القانوني. ما هي الحالات التي تجسّد هذا الوضع اليوم؟
أبرز ما يجسّد هذا الواقع هو أن آلاف الأشخاص الذين تُسحب جنسياتهم يُحرمون عمليًا من حقّهم في الدّفاع عن أنفسهم أمام القضاء. فالدّولة لا تكتفي باتخاذ قرار سحب الجنسيّة، بل تعتبر هذه القرارات من أعمال السيادة، ما يعني أن المتضرّرين لا يحصلون على مراجعة قضائيّة كاملة للقرار.
وهذا أمر خطير لأن كثيرًا من الحالات المستهدفة اليوم ليست حالات تزوير حديثة أو حصول غير قانوني على الجنسية. نحن نتحدّث عن أشخاص حصلوا على الجنسية قبل عشرات السنين وفق القوانين والإجراءات التي كانت الدولة نفسها تطبّقها. عاشوا كمواطنين ودرسوا وعملوا وتزوّجوا وأنشأوا عائلات، ثم وجدوا أنفسهم فجأة قد فقدوا جنسيتهم دون أن تتاح لهم فرصة حقيقيّة للطعن في القرار أمام قضاء مستقلّ.
المشكلة الأساسيّة هنا هي أن الدّولة لا تريد أن تكون علاقتها بالمواطنين محكومة بالحقوق والضمانات القانونيّة بقدر ما تريد الاحتفاظ بحقّ اتّخاذ القرار النهائيّ دون رقابة فعليّة. ولهذا أصبحت الجنسيّة أداة يمكن استخدامها فوق رؤوس النّاس، بينما يُحرم المتضرّرون من أهمِّ وسيلةٍ لحماية أنفسهم وهي اللّجوء إلى القضاء.
لهذا لا تتعلّق القضيّة فقط بمن سُحبت جنسيته، بل بمبدأ أوسع: هل تخضع سلطة الدولة للقانون والرقابة القضائية عندما تتخذ قرارات تمس حياة الناس وحقوقهم الأساسية، أم تبقى هذه السلطة فوق المساءلة؟ بالنسبة لنا، هذا هو السؤال الحقيقي الذي تكشفه قضية سحب الجنسية اليوم.
تتّسم قوانين الجنسية في الكويت بطابع أبوي بنيوي، فالنساء لا يتمتّعن بنفس الحقّ الذي يتمتّع به الرجال في نقل جنسيتهنّ إلى أبنائهنّ، مما يجعل الوضع القانوني للأطفال مرهونًا بالرجال. كيف يؤثر هذا التمييز القانوني على الحياة اليوميّة للنساء الكويتيّات وأطفالهنّ، وكيف يرتبط هذا التشريع الأبوي الخاص بالجنسية بأشكال أخرى من السيطرة والتبعيّة التي تواجهها النساء في المنطقة؟
يؤثر هذا التمييز على النساء وأطفالهنّ بشكل مباشر لأن الدّولة تربط معظم الحقوق الأساسيّة بالمواطنة. فالتّعليم والرعاية الصحيّة والتّوظيف والضّمانات الاجتماعيّة ليست الحقوق الوحيدة المرتبطة بالجنسيّة، بل أيضًا حقّ تملّك السّكن والعقارات، وحقّ إنشاء الشّركات والكيانات التجاريّة، والاستفادة من العديد من المزايا والفرص الاقتصاديّة التي تُمنح للمواطنين.
وعندما تُحرم المرأة الكويتية من حقّ نقل جنسيّتها إلى أبنائها، فإنها تُحرم عمليًا من ضمان هذه الحقوق لهم. فبينما يستطيع الرجل الكويتي أن ينقل لأبنائه كامل حقوق المواطنة، لا تملك المرأة الكويتية الحق نفسه، رغم أنها مواطنة مثله تمامًا.
وقد ظهر أثر هذا التمييز بوضوح في السّنوات الأخيرة من خلال التّراجع عن بعض الحقوق التي كان أبناء الكويتيات يتمتّعون بها. ومن الأمثلة على ذلك حرمان أبناء الكويتيّات مؤخّرًا من التعليم الجامعي المجاني، في خطوة رجعيّة تؤكّد مدى هشاشة حقوق هذه الفئة. فبدل توسيع الحقوق وتحقيق المساواة، جرى تقليصها، ما جعل مستقبل آلاف الطّلبة مرتبطًا أكثر بقدرتهم الماديّة وأقل بالحماية التي يفترض أن توفِّرها الدّولة لأبناء المواطنات.
لذلك لا يقتصر أثر هذا القانون على الوضع القانوني للأبناء، بل يمتدّ إلى حياتهم التعليميّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة بأكملها. وهو في الوقت نفسه شكل من أشكال التمييز ضد النساء، لأنه يفترض أن الرّجل وحده هو من يملك حقّ نقل الانتماء الكامل والحقوق الكاملة إلى أبنائه.
ومن منظور نسوي، فإن القضيّة ليست مجرد قضيّة اكتساب جنسيّة، بل قضيّة مساواة. فلا يمكن الحديث عن مواطنة متساوية طالما أن المرأة الكويتيّة لا تستطيع أن تضمن لأبنائها الحقوق نفسها التي يستطيع الرجل الكويتي أن يضمنها لأبنائه.
من العراق إلى اليمن، ومن فلسطين إلى لبنان، عقود من الحروب والاحتلالات والعقوبات والتدخّلات العسكريّة تشهدها المنطقة التي تقع فيها الكويت في الحين الذي لا تزال عسكرة الاقتصاد الإقليمي تتقدم فيه. كيف تعيش نساء المنطقة هذا التّداخل بين عنف السياسات الداخليّة وتأثيرات العسكرة والحروب؟
لا نرى أن سياسات سحب الجنسيّة والحروب والعسكرة قضايا منفصلة، بل نراها مرتبطة ببنية سياسيّة واقتصاديّة واحدة تقوم على الإقصاء وعدم المساواة. فالحروب والاحتلالات والعسكرة لا تنشأ في فراغ، بل تخدم مصالح سياسيّة واقتصاديّة معينة، بينما تُستخدم داخل الدّول القوانين والإجراءات الإداريّة والأمنيّة لإدارة السكّان والتحكّم في الحقوق والموارد.
وفي الكويت، يمكن رؤية ذلك من خلال استخدام الجنسيّة لتحديد من يتمتّع بالحقوق الكاملة ومن يمكن حرمانه منها. فالجنسيّة ليست مجرّد وثيقة قانونيّة، بل هي المدخل إلى التّعليم والرعاية الصحيّة والسّكن والعمل والحقوق الاقتصاديّة والسياسيّة. وعندما تصبح الجنسيّة أداة للإقصاء أو التهديد، فإنها تتحوّل إلى وسيلة للسيطرة على حياة النّاس ومستقبلهم.
وفي الحالتين يدفع الناس العاديّون الثمن، وتدفع النّساء الثمن الأكبر. فالنّساء يتحمّلن آثار النزوح والفقر وتفكّك الأسر وتراجع الخدمات العامة، كما يتحمّلن عبء الرعاية والعمل غير المدفوع والتّعامل مع الأزمات التي تنتجها الحروب والسّياسات القمعيّة على حدٍّ سواء.
كما أن هذه السّياسات ترتبط بالنّظام الأبوي الذي يمنح الرجال سلطة أكبر داخل الأسرة والمجتمع، ويجعل النساء أكثر عرضة للهشاشة الاقتصاديّة والاجتماعيّة. ولذلك ليس من المصادفة أن نجد التمييز ضد النساء حاضرًا في قوانين الجنسية، كما نجده حاضرًا في آثار الحروب والعسكرة على حياة النساء.
ونعتقد أن استخدام القانون لحرمان فئات من الناس من حقوقها داخل الدولة، واستخدام القوة العسكرية لفرض الهيمنة على الشعوب في المنطقة، يعكسان منطقًا واحدًا يقوم على تركيز السلطة والثروة والموارد بيد قلة، وإبقاء فئات أخرى في موقع التبعية والهشاشة.
ولهذا فإن النضال من أجل المساواة في الجنسية، ومن أجل حقوق النساء، ومن أجل العدالة الاجتماعية، ومن أجل إنهاء الحروب والاحتلال والعسكرة، هو جزء من نضال واحد ضد الأنظمة التي تقوم على الهيمنة والإقصاء وعدم المساواة.
كيف تنظّم النساء في الكويت والمنطقة أنفسهنّ؟ وما هي المساحات التي تحدث فيها هذه المقاومة؟
من الصّعب الحديث عن المقاومة في هذه القضيّة بمعزل عن الواقع السياسي الأوسع في الكويت. فالمشكلة ليست أن الناس خائفون فقط، بل أن هناك أسبابًا حقيقية تدفعهم إلى الخوف. خلال السنوات الأخيرة شهدت الكويت ملاحقات واعتقالات وأحكام سجن على خلفيّة قضايا تتعلّق بالتّعبير عن الرّأي والنشاط السياسي، بما في ذلك قضايا أُحيلت تحت عناوين مرتبطة بأمن الدّولة. ولذلك يدرك كثير من الناس أنّ الاعتراض العلني قد تكون له كلفة حقيقيّة.
هذا الواقع جعل الكثير من المتضرّرين من سياسات سحب الجنسيّة، وحتى المتضامنين معهم، يتجنّبون الظّهور الإعلامي أو التعبير العلني عن مواقفهم، سواء في القنوات الرسميّة أو حتى على وسائل التّواصل الاجتماعي. فحين يشعر الناس أنّ الانتقاد قد يعرّضهم للملاحقة أو السّجن، يصبح الصّمت بالنسبة للكثيرين وسيلة للحماية.
ورغم ذلك، لا يعني هذا غياب المقاومة. فما زالت هناك جهود حقوقيّة ونسويّة وتضامنيّة للدّفاع عن المتضرّرين وتوثيق الانتهاكات ورفض التمييز. لكن هذه الجهود تعمل في مساحة ضيّقة وتواجه مخاطر حقيقيّة، وهو ما يجعل مجرّد الاستمرار في رفع الصّوت حول هذه القضايا فعلًا من أفعال المقاومة. لذلك فإن قضية سحب الجنسيّة لا يمكن فصلها عن قضية الحريّات العامة. فالدّفاع عن حق الناس في المواطنة وفي الحماية من القرارات التعسفيّة يرتبط أيضًا بالدفاع عن حقّهم في التعبير والتنظيم والاعتراض دون خوف من الملاحقة.
