إحتلال مائي: المياه في الفكر الصهيوني التوسّعي وتطبيقه

27/05/2022 |

راما سبانخ 

الاستيلاء على الأنهار والأراضي الفلسطينية هو استراتيجية للهيمنة الإسرائيلية العنيفة.

تعتمد المجتمعات الاستيطانية بشكل كُلّي على الاستيلاء على أكبر مساحة ممكنة من الأراضي المحتلة.1 وهي تتبع علاقة طردية ما بين الأرض، مواردياً ورمزياً، وشروط البقاء واستمرارية المحتل عليها2 – لحصر المصادر الاقتصادية تراكمياً تحت سيطرتها وتجريد السكان الأصليين من سبل عيشهم. ويحصل ذلك عبر اقتلاع رابطهم الإنتاجي والعاطفي مع أرضهم لبناء كيانٍ سياسيٍ حصري يخدم مجتمعاً جديداً يستبدل بدوره الشعب الأصلي وفضاء معيشته، ويستغلّه ويقمعه.

لا يشذُ الفكر الاستيطاني الصهيوني عن هذا التوجّه وتتجلّى فيه عناصر التراكم البدائي4، وأكثرها وضوحاً في استراتيجية الصندوق القومي اليهودي Jewish National Fund. منذ نشأته في المؤتمر الصهيوني الأول5، سعى الصندوق القومي إلى استملاك أكبر مساحة ممكنة من الأراضي الخصبة والقابلة للزراعة؛ حيثُ تمركزت أول البؤر الاستيطانية في فلسطين حول الزراعة في مجتمعات الكيبوتزيم والموشاڤيم

ففعل الزراعة، تاريخياً وحديثاً، ركيزة أساسية في عملية الاحتلال، إذ خدمَ ويخدم عدة أهداف تجعل من مشروعه أكثف وأمتن في وجه السكان الأصليين؛ وهو أداة تم استغلالها في فلسطين على أصعدة متنوعة. على سبيل المثال، خلقت الحراثة الحديثة ذات الخطاب الآتي من عصر التنوير، مجتمعات جديدة بأهداف واحدة، ليبني المستوطن عندما يفلح الأرض المُحتلة رابطاً مُفبركاً معها خدمةً لـ”تأصيله”.7 زادت الزراعة من القدرة الاستيعابية للأرض استعداداً لأفواج جديدة من المستوطنين، وخلقِ طلب (وطعام) لأيدي عاملة يهودية مُراد استقطابها.

أخذ الزراعة في جوهر الفكر الصهيوني ، الركيزة الأساسية ل ، الاستعمار-الاستيطاني ، وهي بدورها تعتمد على الحصول على المياه بشكل دائم وغير منقطع

 بعد خسارة الإمبراطورية العثمانية للحرب العالمية الأولى، دخلت القوى المتنازعة حرب استيلاء ونفوذ في المنطقة فباشرت محادثات سرية بين بريطانيا وفرنسا إلى جانب إيطاليا وروسيا. وكانت أشهر نتائجها اتفاقيتي لندن ١٩١٥ و سايكس-بيكو ١٩١٦ لترسم حدود وحواف لمناطق الهلال الخصيب (وأجزاء من الحجاز وتركيا) وتُهندس نظام انتداب استعماري ينظّم هيمنة الدول السياسية على المنطقة، تنقسم ما بين حكم مُباشر وفضاءِ تأثير سياسي يتضمّن وعداً لتكوين دولة عربية مستقلة.34 تحت إطار هذه الاتفاقية، أصبحت معظم أراضي فلسطين وغالبية مساحاتها الحضرية تحت وصاية دولية. تحدّى وعد بلفور ١٩١٧ هذه الجزئية وجاء كنصٍ مكتوبٍ من الحكومة البريطانية (بشخص وزير خارجيتها آنذاك آرثر بلفور) إلى اللورد روثشيلد يؤكّد دعمه لتأسيس “وطن قومي” لليهود في فلسطين، رابطاً بذلك المصالح الصهيونية بالبريطانية في الأرض الفلسطينية بتراصف واضح

ترجمت بريطانيا طموح الصهيونية المائية-الحدودية وعبّرت عنها في المباحثات البريطانية-الفرنسية عام ١٩٢٠ حيث طالبت بتوسيع حدود الإنتداب البريطاني في فلسطين لتضمّ حوض الأردن الأعلى كاملاً، من مستوطنة المطلّة شمالاً وشرقاً باتجاه ينابيع بانياس وقرى القنيطرة داخل مناطق النفوذ الفرنسية.42 في المقابل توافق بريطانيا على حكم فرنسا لكامل سوريا ولبنان بشكل مُباشر بما يتناقض مع سايكس-بيكو وينهي أي حلم لدولة عربية مستقلة في مناطق “أ” و”ب” من الاتفاقية. توصّل الطرفان إلى توافق يُفضي بأن تصبح جميع المستوطنات اليهودية في الشمال تحت سيطرة بريطانيا (إستعداداً للدولة الصهيونية القادمة)، ومرتفعات هضبة الجولان تحت سيطرة فرنسا. تم التوقيع على هذا الاتفاق عام ١٩٢٣ بين الكولونيل بوليت (فرنسا) والكولونيل .نيوكومب (بريطانيا).

بعد ثورة الفلاحين الفلسطينيين عام ١٩٣٦، قدمت “مفوضة پيل” Peel أول أطروحة لتقسيم فلسطين.47 أوصت بتقسيم المنطقة ما بين دولة يهودية مُقترحة، ودولة عربية مقترحة، ومنطقة تحت سيطرة الانتداب البريطاني (تضمّ القدس و’تل أبيب’) مشيرة إلى سعيها لتطبيق مفهوم الترانسفير (عملية النقل والتغيير الديمغرافي المتأتي عنه) السكاني.48 وتضع الحدود المرسومة تحت هذه الخطة القطاع الشمالي من فلسطين، الغني بالمياه والأرض الخصبة، تحت سيطرة الدولة اليهودية بشكل كامل، بينما تحدّدت أغلب مناطق سيطرة الدولة العربية في فلسطين في الجنوب الأكثر جفافاً متموقعةً أسفل مجرى النهر، بسيادة مائية محدودة. تمّ رفض هذا المقترح من كلا الجانبين، الصهيوني والفلسطيني49، مثلما تم رفض مقترح تقسيم عصبة الأمم ١٩٤٧ الذي أعطى أكثر من نصف الأرض ووفرة مياهها، للحركة الصهيونية بغرض إقامة دولة يهودية في فلسطين

بعدما نجحت الحركة الصهيونية بكسب الدعم والتأثير على الخطط الفرنسية والبريطانية في ضم مثلث الجليل وأصبعه ومستنقعات الحولة (جورة الذهب) وطبريا في حدود فلسطين الانتدابية، شنّ جيش الإحتلال حملة مسلّحة عام ١٩٤٨ (Operation Hiram) احتلّ فيها ١٨ قرية على منعطف نهر الليطاني (إستكمالاً للنهج الذي توضّح أعلاه في رسالة وايزمان)51. اقتطعت إسرائيل ما يقارب ٢٠٠٠ دونم من الأراضي اللبنانية بحسب خطوط وقف النار/الهدنة لآذار ١٩٤٩52 – فتمكّن الكيان إذ ذاك، ومنذ أيامه الأولى، من اختراق خطوط الهدنة الثلاث المرسومة مع الدول العربية في محيطه مع الأردن، سعى الاحتلال نحو السيطرة على مياه وادي عربة الجوفية وأحواض سيول المنطقة المشبّعة بالأملاح، فبنى مستوطنات منذ عام ١٩٥١ تخترق خط الهدنة مع الأردن بـ ٣٢٠كم٢،53 واحتلّ منطقة جسر المجامع والباقورة في مثلث اليرموك شمالاً54 (موقع محطة روتنبرغ للطاقة الكهرومائية المذكورة أعلاه) أمّا مع خطوط الجانب السوري، فبدأ الاحتلال بالحفر والمباشرة بمشروع الناقل الوطني الإسرائيلي للمياه في المنطقة منزوعة السلاح شمالي بحيرة طبريا، خارقاً شروط السلام مع سوريا.55

من أجل “تخفيف التوتر”، تدخّل الجانب الأمريكي واقترح “خطة ماين” ضمن مفاوضات جونستون ١٩٥٣؛ الخطة التي قدّم الاحتلال الإسرائيلي لها خطة مضادة تحت مسمى “خطة كوتون”56. تضمّنت الخطة الإسرائيلية تحويل مجرى نهر الليطاني وربطه بالحاصباني ليتمّ ضخّ المياه باتجاه طبريا ومن ثم عبر قناة الناقل الوطني إلى النقب.57 لكن هذا المشروع فشل  بمعارضة الدول العربية وصعود بن غوريون إلى سدّة الحكم في الاحتلال. ولكن ذلك لم يخفف من تصاعد وتيرة الانتهاكات الإسرائيلية المائية واستكمال الناقل الوطني ومعه سرقة مياه حوض الأردن وطبريا، حينها أوصت الدول العربية ووفودها في القمة العربية ١٩٦٤ بتحويل مجاري منابع المياه والأنهر في أراضيها بعيداً عن الصب في الأردن.يحمّل بعض المحللين58 أسباب حرب عام ١٩٦٧ على المياه؛ الحرب التي أظهرت وكشفت مساعي التوسع الاستيطاني لكيان الاحتلال بفجاجة مُباشرة. عقب احتلال مرتفعات الجولان ومزارع شبعا والضفة الغربية صرّح ……..59 جغرافياً ومائياً، بسطت هذه الحرب سيطرة الاحتلال العسكرية على روافد نهر الأردن الأعلى بأكملها.60  تظهر قيمة الجولان الاستراتيجية-المائية جلية، حيث تشكل منبعاُ لثلث المياه العذبة المُستهلكة في كيان الاحتلال61، ذلك بالتزامن مع منع سوريا من الوصول إلى هذه الموارد المائية وأغلب حصتها من روافد الأردن. أما في داخل الجولان، يمنع الاحتلال مزارعي الجولان وسكانه الأصليين من حفر آبار مائية أو حتى الاستفادة من نسبة ضئيلة من المياه التي تُمنح للمستوطنين هناك.62تم تبرير كل من احتلال جنوب لبنان ١٩٧٨ (عملية الليطاني – على اسم النهر-)، واجتياح ١٩٨٢ وعدوان ٢٠٠٦ بالرجوع إلى أسباب “أمنية”، علماً بأن المجال واسع للشك بهذه المزاعم. لمياه الليطاني والوزّاني دورٌ مهمٌ في الاعتداءات العسكرية.

أبرزت إتفاقية السلام مع الأردن عام ١٩٩٤ أساليب هيمنة مائية جديدة، هذه المرة من صلب مفاوضات “سلمية”، دون إطلاق رصاصة واحدة. بدايةً، تم وضع أراضي وادي عربة التي بُنيت عليها مستوطنات (منها زراعية) إسرائيلية داخل حدود الكيان65، واستبدال المساحة بأراضي حجرية جافة أعطيت للجانب الأردني.66 عند النظر إلى صور الأقمار الصناعية لمنطقة وادي عربة، يظهر بوضوح أن الغالبية العظمى من الأحواض النهرية والسيول والعيون أُعطيت للجانب الإسرائيلي، أستحضرُ منها ينابيع عين وبا/ياحيڤ، وأحواض عربة، شلحاڤ، شيڤيا، وپاران النهرية. ثم وأنّه حسب البند الرابع للمُرفق الثاني من الإتفاقية، فلـ”إسرائيل” الحق بحفر وجرّ مياه من الجانب الأردني من وادي عربة والمطالبة بحصصٍ أكبر تحت غطاء لجنة المياه المشتركة.67 وبقيت منطقتان محتلتان، الباقورة والغمر، تحت السيطرة التامة للاحتلال لمدة ٢٥ عام وفق “نظام خاص” حيث كان ل”إسرائيل” فيهما وصول واستغلال غير مقيّد للمياه والتربة. استطاعت الأردن فرض سيطرة عليهما عام ٢٠١٩ فقط.

لا يمكن فصل الاحتلال عن استغلال الموارد، ولا يمكننا فصله إذاً عن المياه، حاجة أساسية لضمان استمرارية مشروعه وبقاء سكّانه في أرضٍ ليست لهم.
ولا يمكن فصل المياه عن جوهر الفكر الصهيوني وبداياته، حيث تصدّرت الهيدرولوجيا واجهة اهتمامات الإحتلال في فلسطين، قبل نشأته حتى، واستمرّت على نهجٍ استيطانيٍ توسعيٍ ترسمه مجاري المياه إلى يومنا هذا – يسرقها الإحتلال بالقوة العسكرية أو بتواطؤ الأنظمة العربية. حدود الإحتلال حدودٌ مائية جشعة تعتاش على عطش كل من حولها. 

____

راما سبانخ صحفية وباحثة. تكتب عن الاقتصاد السياسي والجغرافيا والعنف في الشرق الأوسط. هذه المقالة هي نسخة مختصرة من النص المنشور في ستديو أشغال عامة 

مقالات ذات صلة